ابراهيم بن عمر البقاعي
57
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
أول ذنب يقع منه لشرفك عنده وقربك لديه وَ لولا أَجَلٌ مُسَمًّى * ضربه لكل شيء لكان الأمر كذلك أيضا ، لكنه سبقت رحمته غضبه فهو لا يعجل ، وضرب الأجل فهو لا يأخذ قبله ، وكل من سبق الكلمة وتسمية الأجل مستقل بالإمهال فكيف إذا اجتمعا ، فتسبب عن العلم بأنه لا بد من استيفاء الأجل وإن زاد العاصي في العصيان تسليم الأمور إلى اللّه وعدم القلق في انتظار الفرج فقال : فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ لك من الاستهزاء وغيره . ولما كان الصبر شديدا على النفس منافرا للطبع ، لأن النفس مجبولة على النقائص ، مشحونة بالوساوس ، أمر منه لأجل من يحتاج إلى الكمال بما ينهض بها من حضيض الجسم إلى أوج الروح بمقامي التحلي بالكمالات والتخلي عن الرعونات ، وبدأ بالأول لأنه العون على الثاني ، وذكر أشرف الحلي فقال : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ أي اشتغل بما ينجيك من عذابه ، ويقربك من جنابه ، بأن تنزه من أحسن إليك عن كل نقص ، حال كونك حامدا له بإثبات كل كمال ، وذلك بأن تصلي له خاصة وتذكره بالذكرين ، غير ملتفت إلى شيء سواه قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ صلاة الصبح وَقَبْلَ غُرُوبِها صلاة العصر والظهر ؛ وغير السياق في قوله : وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ أي ساعاته ، جمع إنو - بكسر ثم سكون ، أي ساعة ، لأن العبادة حينئذ أفضل لاجتماع القلب وهدوء الرجل والخلو بالرب ، ولأن العبادة إذ ذاك أشق وأدخل في التكليف فكانت أفضل عند اللّه فَسَبِّحْ أي بصلاة المغرب والعشاء ، إيذانا بعظمة صلاة الليل ، وكرر الأمر بصلاتي الصبح والعصر إعلاما بمزيد فضلهما ، لأن ساعتيهما أثناء الطي والبعث فقال : وَأَطْرافَ النَّهارِ ويؤيد ما فهمته من أن ذلك تكرير لهما ما في الصحيحين عن جرير ابن عبد اللّه البجلي رضي اللّه عنه قال : كنا جلوسا عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال : إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته ، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا « 1 » ، ثم قرأ هذه الآية . وإلا لم يكن في الآية مزيد حث عليهما خاصة ، على أن لفظ « آناء وأطراف » صالح لصلاة التطوع من الرواتب وغيرها ليلا ونهارا ، وأفاد بذكر الجارّ في الآناء التبعيض ، لأن الليل محل الراحة ، ونزعه من الأطراف لتيسر استغراقها بالذكر ، لأن النهار موضع النشاط واليقظة ، ويجوز - وهو أحسن - أن يكون المراد بما قبل الطلوع الصبح ، وما قبل الغروب العصر فقط ، وببعض الآناء المغرب والعشاء ، وأدخل الجار لكونهما وقتين ، وبجميع الأطراف الصبح والظهر والعصر ، لأن النهار له أربعة أطراف : أوله ، وآخره وآخر نصفه الأول ، وأول نصفه الثاني ، والكل مستغرق بالتسبيح ، ولذلك
--> ( 1 ) أخرجه أحمد 4 / 360 والبخاري 4851 وأبو داود 4729 والترمذي 2551 عن جرير .